الكتابة عن كل شيء

 

كتبت تدوينة طويلة عريضة، وهي أول مرة أفعل فيها ذلك منذ مدة، لكن متصفح الفايرفوكس ذي النسخة القديمة جدا في هذا الكمبيوتر القديم هو الآخر في مقهى الأنترنت الأقدم من كليهما، غلق فجأة وفقدت معه التدوينة. كي أختصر فقط سأنطلق مما وصلت إليه في التدوينة التي ذهبت هدرا أدراج الرياح. وصلت إلى الحديث عن الأفلام الوثائقية والسينمائية التي أشاهدها هذه الأيام وأكتب عنها ريفيوهات صغيرة وعن الممثلين وما أعجبني من أدوارهم فيها وعن الكتب التي أحبسها في مكان بعيد عن عيني للخيبة التي تطالني حين أراها أمامي ولا أستطيع تناول إحداها بالقراءة.

في هذا الشهر الفضيل تغيرت عاداتي كليا، زيادة على كوني بت أسهر إلى آخر الليل والنوم غالبية أوقات النهار والأكل بشراهة ما دفع بطني للبروز قليلا وهي أول مرة يفعل فيها ذلك منذ لازمني، آخذ راحة طويلة بعد استقالتي من العمل بقناة الشروق مؤخرا، لذلك أنا في منزل العائلة، أقضي رمضان مع والدي وإخوتي محاولا أن استغل هذه الفرصة لأتمتع معهم بميزات هذا الشهر قدر الإمكان. مما طرأ على عاداتي كذلك أني بت أتكاسل عن التواصل مع الأصدقاء خصوصا على النت، ابتعدت عن النت وعن الفايسبوك وحتى عن هنا عن مدونتي التي لم أدون فيها في الشهرين الماضيين إلا موضوعا أو اثنين وهو أمر في الحقيقة يحزنني إذ أن مفكرتي امتلأت بما أكتبه يوميا عن حياتي وعن ما يجد في رأسي من أفكار ومواضيع وأرغب في نقلها إلا هنا ولكن الكسل يرقبني بعيني صقر ويهاجمي بمخلبي نسر إن ما أنا فكرت في ذلك حتى..

خلال هذا الشهر تولدت لدي رغبة غريبة جراء الفراغ الذي أعيشه وهي الرغبة في الكتابة، الكتابة عن كل شيء، في لحظة وأنا جالس أشاهد فيلما أو سلسلة على التلفزيون تطرأ في بالي فكرة ساذجة وأرغب بأن أكتب عنها شيئا، يقول ممثل في فيلم ما كلمة أو يذكر اسما لقرية أو شخص ما أو حادثة فتجتاحني رغبة الكتابة عنها أيضا، أتناول مفكرتي وأكتب شيئا لكن في غالبية ما أكتب يظهر النص ناقصا وأعجز عن إتمامه، موضوع من ستة أو سبعة أسطر لا يحمل معنا معينا فأتركه مبتورا كما ولده قلمي وأغدو إلى نص جديد ينساق هو الآخر للنقصان. ولكن بين كل هذا وذاك أنجح أحيانا في كتابة شيء يرضيني بعد كل خيبة تطالني جراء نصوص سقيمة..
في هذا الشهر الفضيل كثرت مشاهدتي للتلفزيون، أشاهد أفلاما كثيرة وعديدة، سلسلات وبرامج أمريكية وحتى الرسوم المتحركة التي وجدت لها وقتا لاستمتع بها رفقة أخي الصغير، أفعل ذلك ومفكرتي في يدي أضافة إلى هاتف الأيفون الذي أدون به هو الآخر ما أريد البحث عنه على النت. كلما سمعت جديدا من الأسماء والمناطق والأحداث أستعين بها على التوسع في معرفة المزيد عنها بأن أحفظها.

bbc

البارحة فقط شاهدت على قناة البيبيسي عربية bbc arabic وثائقيا حول المخدرات والهيرويين في أفغانستان، وقد كان ما شاهدته في هذا الوثائقي الذي أنجزه صحفي أفغاني مقيم ببريطانا مرعبا بالفعل، فرغم معرفتي السابقة بأن أفغانستان دولة منتجة وشعبها من أكثر الشعوب استهلاكا للمخدرات، لم أعتقد بأنها الأولى استهلاكا بمدمنين يصل عددهم إلى المليون وبأنها تنتج أكثر من 90 بالمائة من الأفيون في العالم والذي يستخرج منه الهيروين وبالحالة الرهيبة التي هي عليها هذا البلد من إنتاج واستهلاك المخدرات، في لحظة انقلبت الصورة التي أحملها عن أفغانسات التي أثقلتها الحروب بدءً بالحرب السوفيتية ثم حكم طالبان وصولا إلى الغزو الأمريكي إلى صورة بلد يعرفا غزوا من نوع آخر، عبر عنه الصحفي الذي أنجز الوثائقي وهو يختتمه بالقول أن مستقبله مجهول.

في البرنامج نتابع مع الصحفي رحلة إلى وادي كابول الذي يضم العشرات من المدمنين على الهيرويين يقصدون الوادي مكان تجمعهم للادمان وسط الأوساخ وبقايا الإبر التي يستعملونها لحقن أنفسهم.

لمشاهدة الوثائقي ومقالة عنه بالانجليزية على موقع قناة البيبيسي على النت (من هنا)
كنت سأكتب طويلا عن هذا لوثائقي، لكنني سأكتفي بهذا القدر بسبب الكمبيوتر المعوج الذي أجلس أمامه الآن، يجعلني أتعب كثيرا في ضبط التدوينة وحفظها.

رحيل الباحث عن “رجل السكر”

صورة

في ديسمبر من السنة الماضية، وخلال فعاليات الملتقى الدولي للسينما بالجزائر، أعجبني بمدخل قاعة الموقار ستيكرز باللون البرتقالي الغامق لفيلم لم أعتقد أنه يحمل قصة كبيرة اسمه “البحث عن رجل السكر”. كان الفيلم الذي صمم ملصقه ببراعة بحيث شكل رسم لقيتار على ظهر رجل طويل الشعر يبدو من مغنيي فترة الثمانينات في الأحياء الفقيرة بأمريكا قد فاز تلك السنة بجائزة الأوسكار الشهيرة لأحسن فيلم وثائقي، والجميل فيه أن مخرجه سويدي ذو أصول جزائرية اسمه مالك بن جلول.

قصة الفيلم كما رواها مخرجه “هي عن رجل لم يكن يعرف أنه كان مشهورا. إنه رجل، أصدر منذ ثلاثين عاماً ألبوما غنائيا خلال فترة السبعينات، كان عملاّ جميلاً، إلاّ أنه لم يتمكن من بيع أي نسخة في أميركا. قام بتجربة أخرى، وأصدر ألبوماً جديداً، وكانت النتيجة نفسها، لا شيء تماماً. وبعدها، وكما تعلمون، ماذا يفعل؟ قرر التوقف نهائياً عن الموسيقى، وبدأ العمل في البناء، ولم يكن يعلم أنّ ألبوماته حققت نجاحاً في جنوب أفريقيا. رودريغيز أصبح أكثر شهرة من فرقة رولينج ستونز. لقد كان الأسطوانة البلاتينية لمدة عشر سنوات حيث حقق مبيعات ضخمة وأصبح أحد أكثر الفنانين شهرة من أي وقت مضى، إلاّ أنه لم يكن على علم بكلّ هذا”.

يعمل المخرج، من خلال فيلمه على نقل ما يعيشه الكثير من الجمهور في العالم وجنوب إفريقيا على وجه الخصوص من بالغ الطرب لأغاني سيكستو رودريغيز، الذي ينحدر من عائلة مكسيكية استوطنت ضواحي ولاية ميتشغان الأمريكية والذي أصدر خلال نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي ألبومين غنائيين، لم يكتب لهما النجاح في حينهما. لكنهما نالا من الشهرة واسعا في مناطق بعيدة عن أمريكا في الفترة بين إصداريهما والعام 2000 بكل من نيوزلندا وأستراليا وجنوب إفريقيا ومناطق متفرقة من العالم، إلا أن صانع كل ذلك النجاح، كان يعمل في مكان ما من أمريكا بناءً حيث لم يصل إلى مسامعه تصفيقات الجمهور لطربهم من أغانيه أو رقصاتهم عليها.

بن جلول ورودريغيز

رودريغيز رفقة مالك بن جلول

أكتب هذه التدوينة عن الفيلم بالضبط، لأن مخرجه الذي صادف والتقى ببطله رودريغيز عام 2006 ليستوحي منه عملا وصل به إلى أرقى الجوائز السينمائية العالمية توفي أمس، في حادث ملأ اليوم صفحات الجرائد والوكالات الإخبارية. خصوصا وأنه بعد لم يبلغ من الكبر إلا 36 عاما ابتدأها وأنهاها بالسويد ما بين يستاد التي ولد بها وستوكهولم التي توفي بها في ظروف غامضة، يرجح حسب شقيقه أن يكون وفاته ناتج عن عملية انتحار.

من الغريب كيف أن الموت يصنع في وسط الأخبار المتراكمة للعالم حدثا مهما بذاته أكثر مما تصنعه حياة الشخص المتوفي نفسها، لم أهتم بمالك بن جلول حين شاهدت فيلمه أول مرة، ولم أكلف نفسي عناء البحث عنه، رغم أن ما حصل عليه فيلمه من شهرة في المهرجانات السينمائية التي شارك بها كفيل بذلك، خصوصا وأني كنت حين تعرفي على الفيلم وصاحبه صحافيا مهتما بالشأن الثقافي. لكن اليوم بعدما قرأت خبر وفاة هذا المخرج الصغير، رحت أبحث في أكثر من موقع وأكثر من مصدر المزيد عن حياته، حياتهُ التي انطفأت فجأة وهو في ريعان شبابه.
هنا تريلر فيلم “رجل السكر”
هنا ماكتب في الويكيبيديا عن مخرج العمل (بالفرنسية)
هنا الموقع الرسمي لرودريغيز بطل الفيلم

 

المملكة من الداخل، روبرت ليسي

المملكة من الداخل

بدأت ليلة أمس الأول في قراءة كتاب “المملكة من الداخل” لصاحبه الكاتب والصحفي الأمريكي روبرت ليسي. اقتنيته منذ أشهر عدة من معرض الجزائر الدولي للكتاب من دون أن أفتحه، ليبقى طوال هذه المدة في أقصى ركن في الغرفة بحجمه الضخم “أزيد من 700 صفحة” لا أستطيع تناوله والغوص في ما نقله ليسي عن المملكة العربية السعودية التي يلقي عليها الضوء من خلال مؤلفه هذا.
لم أصدق قبل أن أقرأ الصفحات الأولى من الكتاب ما جاء على ظهر الغلاف من إشادات به وبالملحمة التي خطها ليسي عن المملكة السعودية من تصويره لتلك البيئة التي لا نعرف عنها سوى أنها بلد الحج ومكةقبل أن يتكشف لنا مستوى التناقض التي تحمله ونحن نتقدم في قراءته.
في أول جلسة مع الكتاب، قرأت منه حوالي 90 صفحة، ولولا النعاس الذي أطبق على جفني آخر الليل ما تركتني في شغف لأتعرف على الأحداث التي كان يسردها ليسي بأسلوب قصصي ممتع.

في آخر الفصل الخامس الذي ختمت به الجلسة الأولى من القراءة كتب ليسي خاتما إياه بالقول “أعدم آل سعود جهيمان، لكنهم جعلوا من أفكاره نهجا للدولة”. وجهيمان هذا، هو العقل المفكر لما حدث في مكة عام 1979 حينما قام مجموعة من المتطرفيين بالاستيلاء على الحرم المكي لظنهم بمجيئ المهدي المنتظر، متمثلا في أحد أصحابهم وهو محمد القحطاني صهر جهيمان، وتمكنوا من الاستيلاء على الحرم المكي لمدة 15 يوما كاملة سقط خلالها عشرات القتلى من الأمن السعودي والمتطرفين.

حادثة الحرم المكي، من بين الحوادث الكثيرة الي يلقي عليها ليسي الضوء في هذا الكتاب الرائع.. ينتقل نمنها إلى حادثة الشغب الذي حصل في منطقة القطيف شرق السعودية والتي يقطنها غالبية شيعة (بالنسبة لي لم أكن أظن أن بالسعودية شيعة)، متناولا كذلك قصة جميلة عن اعتقاد شيخ السلفية ابن باز بسطحية الكرة الأرضية فيما اعتبر آنذاك من قبل الكثير من الدعاة والعلماء مخالفا للعلم، قبل أن يتحول عن هذا الرأي بعد زيارة الأمير السعودي الشاب سلطان بن سلمان إلى الفضاء ضمن رحلة للناسا، وهو أول رائد فضاء عربي مسلم يقوم بذلك.

ليسي عمد إلى تأليف كتابه هذا بعد أن قضى في السعودية ثلاث سنوات كاملة وكان قبلها قد سبق له زيارتها وألف عنها كتابا عام 1980 عنوانه “المملكة”، قبل أن يقرر العودة عام 2006 إلى نفس المكان لتأليف كتاب جديد يتناول الأحداث في هذا البلد المعروف بتشدده وبقوانينه الغريبة والتي من بينها “عدم السماح للمرأة بسياقة السيارة” ووجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي شبه شرطة تقوم بتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد.

“هاودعك آخر وداع”

مقهى

لا يزال غفور على عادته السيئة بتوريثي تركته الضخمة من الديون كلما حل بمقهى “الحاج السراق”. من اسم الأخير لابد يتكهن الواحد بمعنى أن يكون لك دين لدى صاحب مقهى يعرف كيف ينتشل منك الدورو انتشالا وهو لايزال أخضر لم ينضج بعد في جيبك، رغم طيبته طبعا وقهقهته التي تصل عنان كل أذن بمقهاه وتجعل كرشه المتدلي نصف متر أمامه يتأرجح كأنه يبغي تحررا منه حين يطلق غفور نكتة من نكاته المسروقة من مسرحيات عادل إمام.
لا أطلب سوى كأس قهوة لا أرتشف منه سوى رشفتين اثنتين، أحب أن تكون القهوة حاضرة عندما أكتب شيئا أو أقرأ، أو فقط حين استرجع في خيالي صورة لفتاة ما التصقت بمخيلتي من دون أن تتزحزح تترك المجال لأخريات يشغلن بالي في وقتهن.
أحضر للمقهى باكرا، بعد العمل مباشرة، يكون أول ما أرمي عليه ثقل التعب المضني الذي تخر معه قواي.. وحده القهوجي “يهنيني” من مشقة أن أطلب منه خدمة عمل قهوة قد يطول استقبالها إن لم أفعل ذلك بنفسي..
غارق فيما لا أعرف أين أو ماذا.. استمع لأغنية دخلت مجال إدماني مؤخرا لمحمد فؤاد “هاودعك آخر وداع”.. أحلم بالكتابة، بالهجرة، بالقراءة وبزيارة الأهل هناك أين تحضّر أمي في هذه الأمسية قهوتها ذي رائحة البن المحمص على عتبة باب المطبخ حيث تجلس متربعة رجلا على رجل تنفث بفاها على دخان يصعد تناثرا وسط حوش بيتنا القديم.. اشتاق إليها بشدة.

“هاودعك آخر وداع” …

في انتظار غفور يأتيني ناكسا رأسه المفلطح بسيجارته التي تشكلت جزءا من شفتيه لاتغادر ما بينهما.. سأقول وسيسمع وسأسمع حين يقول، ونقول مع بعض فلا يسمع أحدنا شيئا، ثم ننسى بعد ذلك كل شيء، متناقلين الضجر الذي نلده يوميا بأرحام لا تكاد تفرغ حتى تمتلأ مللا بأفكارنا السوداء من جديد… أرقبه يحدثني بشهية شاذ سادي عن فتيات رآهن وكيف يرغب في أكل أطرافهن أكلا بعد أن يمارس عليهن ساديته في تعذيبهن بسوط عصا شجرة الزيتون.. لا ينفك يطلق آهاته مع تصاعد غيمة سوداء أمام وجهه ينفثها من رءتيه اللتين اسودتا من التدخين …

أسمع له مشفقا عليه وعلى حالي، يغريني بأحلامه السفر للخليج والعمل في صحيفة بدبي أو قطر، أين سيتقاضى في الشهر ثلاثون مليون سنتيم بعد أن يوفروا له سكنا وسيارة مرسديس بقرض إسلامي لن يظطر معه لدفع الفوائد الربوية التي من أجلها لا يريد أن يخاطر بعمل مشروع “لونساج” هنا.. هناك أين سيتزوج من خليجية سمراء لونها كبيرتان عينيها، محبجة بحجاب شرعي كامل، وعن ابنه الذي سيسميه باسمي، أو هكذا يفترض إن رضيت بذاك زوجته الخليجية..
هاودعك آخر وداع
يحضر غفور، وتحضر معه مسرحية الزعيم والواد سيد شغال ومدرسة المشاغبين، وجمهور متكون من الحاج سراق ببطن منتفخة تنبئ عن انفجار قريب سيحدث في أمعائه إن لم يتوقف عن ضحكه الهستيري،  آملا أن يواصل صاحب الكرش المتدلي قهقهته ليسنى ما عليه من مال لديه أو ما ورثني إياه على الأقل… يحكي واسمع، يسمع حين أحكي ونحكي كلانا فلا أحد يسمع وننسى.. ثم نعود مع بعض نسمع لمحمد فؤاد.. آملين في وداع يوما من الأيام.

يوم بلا عمل

الفيل الأزرق

لحظي الذي لا أعرف لو وصفا محددا سيئا كان أو جيدا. أخذت يوم أمس عطلة من العمل لأعود الطبيب في ألم حل بي، خلافا للأيام العادية التي أستيقظ فيها على الخامسة فجرا، انتقمت من الساعات الأولى للصباح التي كنت أقضيها خلف مكتبي بأن نمت إلى قرابة الساعة العاشرة، كان نوما شريرا بحق، شعرت برغبة كبيرة في أن أكمل النوم إلى الساعة الواحدة أو الثانية ظهرا..
خرجت متثاقلا ثقل جو ذلك اليوم من المنزل. على العاشرة عادة ما تكون حركة المرور بالعاصمة بؤسا على بؤس. كان في نيتي زيارة الطبيب، وذلك أول وآخر ما كان علي فعله ثم العودة للمنزل والنوم من جديد، قضيت قرابة الساعة كاملة قبل أن أصل لوسط العاصمة، هاتفت الطبيب، لم يجبني. حدث أن تحسست جيوبي لأرى كم أحمل معي من نقود، فوجدتها أقل من ألف دينار مجتمعة، احنيت رأسي بعد أن احسست تخدرا في آخره، تبا، قلت في نفسي، نسيت تماما أن أحمل معي نقودا، والأمّر نسياني لبطاقة الهوية بالمنزل بعد أن فكرت باستخراج بعض المال من حسابي. الساعة كانت تقرب من منتصف النهار، وعيادة الطبيب تغلق الساعة الثانية، قدرت أنه ليس بإمكاني الذهاب والعودة للمنزل من جديد، فألغيت على مضض موعدي مع الطبيب وكلي حسرة على ذلك..

عندما تضع في حسبانك أمرا، من الصعب بمكان أن تتخلص منه حين لا تجري الأمور كما تشتهيها. لم تكن لي خطة (B) الجأ إليها في استغلال يومي الذي ذهب نصفه هباء الرياح، قلت التجأ إلى أقرب مقهى وأهاتف غفور، قد يكون منشغلا بكتابة موضوع ما عن سياسي تافه الآن، لكنه سيجد كيف يتخلص من قيوده ويأتي، قبل أن أغض النظر عن ذلك حينما التقيت بصديق كان يرأس تحرير الجريدة التي كنت أعمل بها بعد أن شارك في وقفة منددة بالعهدة الرابعة لبوتفليقة أمام ساحة البريد المركزي، هذه الساحة التي اصبحت في الايام الأخيرة ساخنة سخونة الجو السياسي، التقيته برفقة شابين آخرين، أحدهما كان من لجنة الدفاع عن حقوق البطالين راح يمطرني بعد أن التمس اهتمامي بحديثه (والحق أني لم أكن أفعل ذلك إلا لأنني أردت تجنب خوض نقاش في السياسة) بمحاضرة سياسية عن الحقوق الاجتماعية وخزعبلات السياسيين وترهاتهم، من دون أن يتوقف عن الكلام عن التوفيق وبوتفليقة وأشكال سياسية مقيتة، الأمر الذي أرهق مسامعي بما لا أريد سماعه أبدا. غمزت صديقي الذي كان على وشك أن يتركهما يرحلان قبل أن يفعل ذلك بسرعة، ورحت وإياه نقلب حديث السياسة إلى الحديث عن المثيرات من الفتيات اللواتي غزين في ذلك النهار شارع حسيبة..

من غرائب الصدف أن التقيت بصديقين آخرين في ذلك الوقت ونحن على عتبة مقهانا المعتاد بساحة موريتانيا، لم أرهما منذ مدة، شغلنا نحن الأربعة طاولة في أحد الأركان وغرقنا في مواضيع عن النساء والصحافة والمال والأعمال والبؤس وقليل قليل من السياسة، قبل أن نفترق بعد حوالي ساعتين من الزمن…
مساء قرابة الساعة الثالثة نزلت إلى المسرح الوطني لأحضر لقاء صدى الاأقلام الأسبوعي الذي يعنى بالأدب، دخلت متأخرا عن موعد الفضاء بساعة، أول ما التقيت هناك بصديقي عبد الرزاق بوكبة، المشرف على الفضاء، جلست استمع للميس سعيدي الشاعرة الجميلة التي نزلت ضيفة لتحكي بعضا من ديوانها الجديد، قبل أن تحل الشاعرة فاطمة شعلال، تلك المرأة صاحبة الاحساس المرهف التي من غرابة الصدف أني لم أن تعرفت عليها قبل ذلك إلا بوقت قصير حينما أشادت بها إحداهن على الفايسبوك. بالنسبة لي كنت أجهل عالمها الإبداعي جهلي بالكثير من المبدعات الجزائريات. ابتسمت في داخلي أن واتتني فرصة أن ألاقيها ها هنا بعد أن رغبت في ذلك يوم أن تعرفت على أشعارها.. اتصال صديقتي إلهام التي كنت واعدتها على اللقاء جعل أمنيتي تتأجل لموعد لاحق، انسحبت من عالم الشعر تاركا فاطمة شعلال التي كانت بدأت بالحديث عن تجربتها تحكيها للحضور القليل من دوني.. انسحبت بخفة لألاقي الهام في ساحة بورسعيد وبيدها كيس به مجموعة من الكتب كنت قد طلبت منها أن تحضرها لي.. واحد منها رواية الفيل الأزرق لأحمد مراد والتي أتممت منها في أول جلسة 70 صفحة وهي الرواية التي دخلت قائمة البوكر القصيرة لأفضل الروايات العربية..
كان لقائي بالهام الثاني أو الثالث، لم نلتق هكذا سابقا مع معرفة، كان لقاؤنا الأول بمعرض الكتاب، الهام كانت بائعة بدار العين المصرية، وحدث أن زرت الدار لاقتناء كتاب “ضغط الكتابة وسكرها” لأمير تاج السر، والثاني لقاؤنا بالمسرح والثالث كذلك.
من الجميل أن يكون لك أصدقاء يقرأون وأجمل ما في الأمر هو أن تستعير منهم بعض الكتب التي لا توجد بمكتباتنا، هذا إن كان في مكتباتنا كتب بالأصل!!.  إلهام أعارتني أربعة كتب، رواية “الفيل الأزرق” لأحمد مراد، رواية “كل الأحلام تنتهي في ديسمبر” للكاتبة السعودية الشابة أثير النشمي، وروايتان أخريتان، وأنا أكتب هذا التدوينة أنسى حقا عنوانيهما.

لم التق بغفورن كان علي أن أعود إلى البيت، فتحت الفيل الأزرق حينما استقريت على كرسي شاغر بالحافلة وغصت فيها عميقا..

من أشعار فاطمة شعلال/

 «أحاول أن أنفض عن أثاث العمر غبار التردد
أرش المدى بالحلم
فقد يزهر الوعد
أنتظر
أنتظر
أنتظر
لعل دفئا يشع
فيلبسني البرد
أناغي وهما
أوله في أصبعي
وآخره لا يبدو
أركض ألاحقه
فيهمس لي الوقت
“الوقت لم يحن بعد”
ياه،، أضرب كفا بكف
لم يخطط الوغد؟
وقد صار في الرأس بياض
وعلى الوجنتين تصدع
وقد ذبل النهد؟؟»

 

رشيد نكاز رئيسا في البريد المركزي

رشيد نكاز

لم يخطر على بالي أن أكتب شيئا في السياسة، على الأقل في هذا الوقت بالضبط الذي أشعر فيه ألا ناقة لي ولا جمل في ما يمكن أن يحدث من تطورات سياسية في البلد، لأن السياسة لمتعد  تثير حماسي حتى لأتناولها بالحديث مع أحدهم.

المهم كان ذلك قبل يومين، كنت قد قررت النزول لوسط العاصمة بعد العمل وبالضبط على الساعة الثالثة بعد الزوال لسماع ما يمكن أن يقوله رشيد نكاز المرشح السابق للرئاسيات الذي خرج من التنافس على كرسي الرئاسة بطريقة أقل ما يقال عنها أنها غريبة. وصلت هناك حوالي الساعة الثانية والنصف، الجو كان ربيعيا مشمسا ومواتيا جدا لإقامة لقاء شعبي، وقد كان كذلك شعبيا وليس صحفيا. لم أحضر اللقاء لتغطيته كصحفي، كنت أريد فقط أن أسمع مِن هذا المرشح الذي كسب له تأييدا شبابيا على النت، وفي البريد المركزي أيضا ذلك اليوم من خلال المئات من الشباب الذي حضروا لقاءه. كانت رؤية أعداد الشباب الكبيرة بمحيط البريد المركزي وهم يتناقشون في الوضع السياسي للبلد تحيلك إلى صورة زاهية على الديموقراطية في البلد.. فقط لو لم أكن جزء من هذا المجتمع لطبعت ابتسامة زاهية الألوان على وجهي سعادة بذلك. لكن الأمر لا يسير على هذا النحو، إذ كان أن التف المئات من الشباب على مرشحهم “المفترض” نكاز ما إن بدأ من بعيد يتقدم وسط الشارع الرئيسي وما حدث أن يصل إلى البريد المركزي حتى كان أن اختنق المسكين من الفوضى التي عمت المكان، لم يحسب لذلك حسابا لربما، أو أن نكاز أراد أن يكون الأمر على هذا الشكل، ربما لأنه فرنسي التنشئة والتربية أكثر منه جزائري اعتقد أن أنصاره سيصطفون مثلما يصطف المصلون في الصلاة متقدما إياهم ليؤمهم بخطاب، الدور الأعنف في كل “الفوضى التي حصلت بالمكان كان للصحفيين، أولئك الذين من المفترض أن اللقاء خصص لهم، كان عليهم أن يقاتلوا من أجل أن يوصلو ميكروفوناتهم ومسجلاتهم إلى أقرب نقطة من فم نكاز. وأنا بعد مضي وقت كنت من بينهم!!. لم يكن هناك ميكروفون ليتحدث به نكاز إلى أنصاره، المئات منهم لم يسمعوا شيئا مما قاله، ومما قاله لم يقل أبدا ما جاء ، أو ما حسب الكثيرون أنه سيقوله بخصوص سرقة السيارة التي تحمل استمارات توقيعه. هل كان من غبائه أن يجتمع بأنصاره من دون وجود مكبر صوت!!. صوته لم يكن يصل وسط الفوضى إلى مترين أو ثلاث، بينما عشرات الأمتار الأخرى مساحة يحتلها عشرات الشباب لا يسمع وسطها سوى أهازيج متفرقة بعضها لا يكاد يكون لها أدنى ارتباط بنكاز أو الرئاسيات أصلا.
المهم.. بعد دقائق من صبري على بكمه قدرت أنه علي أن أناضل من أجل الوصول إليه لأطرح عليه بعض الاسئلة، وفعلا فعلت ذلك.. جاهدت للوصول إليه وسط الفوضى العارمة، وعلى مقربة منه  شاهدت الرجل المسكين كيف تكوم بين مجموعة من الشباب وكأنه فعلا رئيس للجمهورية. هو بنفسه قال ذلك “يا شباب خلوني نهدر، غدوا لوكان نكون رئيسكم تاني ماتخلونيش نهدر”. لا عجب أن عنوان  تغطية الشروق اليومي على الحدث جاء “نكاز.. رئيسا في البريد المركزي”.

وفقت في الوصول إلى نكاز، وتسجيل خطابه وكانت لي فرصة أن ساأته سؤالين اثنين أهمها كان رأيه في الحل المنطقي الذي سيلجأ إليه المجلس الدستوري في قضيته، لم يقل شيئا سوى أنه يثق في أنه سيجد حلا سياسيا، مؤكدا على “الحل السياسي”!! ولم افهم ولا أحد فهم أو سيفهم ذلك الحل السياسي.

بعد هذا انسحبت من هناك، وقد التقطت له عديد الصور والفيديوهات، كان الأمر تمام كما توقعت له أن يكون حول التجمع والأهم حول نكاز الرئيس المحتمل للجزائر، الرجل لم يكن سياسيا لا من خلال خطابه ولا من خلال تصرفاته كذلك. قد يتساءل أحدكم إن كان هناك أصلا سياسيون في الجزائر؟؟!!. وما قد لا يوافقني عليه الكثيرون، أن غالبية من حضر وقفة/ندوة نكاز لم يكونوا فعلا من أنصاره الذين يعول عليهم في أن الذهاب معه بعيدا في مشواره السياسي في الرئاسيات أو غيرها، لا أحد قد يفهم الشباب الجزائري، إنهم كاريزما خاصة من التناقضات، لهم من التصرفات والأفكار ما قد يعصف بأي دراسات نفسية واجتماعية سبق وأن أجريت. متأكد أن غالبية من حضر لم يكن ليصوت على نكاز لو ترشح، هذا لو أنهم انتخبوا أصلا!!. قد يقول قائل، لم وكيف؟. لا أعرف بالضبط من أين ينبع حكمي.. لكن ما نراه في الجو السياسي العام في البلد يؤكد ذلك.. ثم نكاز.. إن لم تكن تدري.. الكل يجعلك رئيسا بالفم فقط وعلى الفايسبوك.