ذكريات مدرسية خشنة

مدرسة

الصورة من فيلم  detachment                                                                                                                                           

اليوم أخذت أخي الصغير إلى المدرسة لأبرر تغيبه عنها يوم أمس، قبل أن أفعل ذلك كنت قد تذكرت المدرسة، تذكرت الأيام التي قضيتها هناك، المعلمون الذين كانوا يشكلون لنا عقد نفسية مستعصية، الدراسة التي كنا نتعلمها على مضض، الجو العام الذي كان يشعرنا بالخوف و الرعب أحيانا وغير ذلك من المشاعر التي ليست جيدة على الاطلاق، مجموعة المشاعر التي تناقض كثيرا الأنشودة التي كانوا يعلمونا إياها “مدرستي الجميلة، مدرستي الحبيبة”. لم تكن جميلة أبدا و لم يكن هناك أي حب بيننا اللهم إلا إن كان الحب المتولد عن التسلط و الفوقية.

لاحظت ذلك في أخي الصغير الذي ما إن ولجنا باب الإدارة حتى تغير لونه على الرغم من أن من في الإدارة ليسوا سوى مجموعة من الفتيات اللواتي إن لم يخب ظني يعملن كمساعدات فقط، لم يعجبني الترحيب و لا طريقة معاجلة الغياب، مشكلة حقيقية في التعامل، ومشكلة أكبر في فهم مدى حساسية القضية، قضية بناء نفسية طفل من خلال ذلك التعامل. المهم أنا لست بصدد الحديث عن ما حدث اليوم بالخصوص وهو ما لم يعجبني على الإطلاق و لكن أريد الحديث عن “المدرسة” التي لطالما أردت الحديث عنها من منظوري الشخص في منظومة التعليم في الجزائر. لطالما أردت كتابة موضوعات عن ما تلقيته في المدرسة، عن ملاحظات تستحق أن تقال عن ما مر بي و ما مر به الكثيرون في مختلف مراحلهم التعليمية.

ربما كانت الجامعة هي المرحلة الوحيدة التي أحسست فيها بالحرية و لم تكن حرية بمفهومها الإيجابي ربما الناتجة عن تحقق البيئة الإيحابية للتعليم و إنما كانت حرية بشكلها السلبي و التي تعني عدم اهتمامي بالدروس و المحاضرات و لا بأي تلك الأمور التي كانت تفرض علينا فرضا في الأطوار السابقة من التعليم على الرغم من أني كنت أحقق نتائج إيجابية كل سنة. المدرسة شكلت بالنسبة لي و ربما للكثير غيري كذلك عقد نفسية جمة، إبتداءا من المعلمين الذين لا يملكون أي إحترافية في التعامل مع عقل الطفل الخصب أو مسؤولية الواجب في أداء مهنة التدريس، و مرورا بالإدارة التي كنا نرى أنفسنا دوما وفقا لها مجرد مجموعة من الفوضويين و المشاغبين الذين يجب دوما ضبطهم. إلى نوعية الدروس التي كنا نتلقاها و التي لم تحقق معي فائدة أنا شخصيا تتجاوز الخمسة أو عشرة بالمائة، فكل ما تلقيته من معارف أتى بجهد شخصي من خلال قراءتي للكتب و المجلات و تصفح الأنترنت و مختلف مصادر التعليم و المعرفة.

هل تعرفون معنى أن يشعر طفل في السادسة أو السابعة من عمره بالخوف؟ بالرعب من أن يتجاوز باب المدرسة و يدخل القسم و يجلس على الكرسي، هل إنتابكم ذلك الخوف و المعلم أو الأستاذ ينظر إليكم بعينيه اللتان تنقلان إليك رسالة واحدة، أنت مخطأ و فاشل و سأحاسبك؟؟. أراهن على أن الغالبية العظمى من تلاميذ المدارس اليوم يشعرون بذلك الخوف في دواخلهم وإن كان بنسب متفاوتة، ذلك الخوف، تلك النقطة المظلمة بالذات التي تتواجد في عمق دواخلنا هي التي تصنع الإجرام اليوم، هي التي تصنع التهاون و التكاسل و جميع الإنحرافات و الطاقات المهدورة. لا أعرف كيف أفسر، لكنني ربما يوما ما سأكتب بطريقة أكاديمية بعد بحث أكثر في الموضوع. المدرسة في نظامنا التعليمي تشكل أحد أكبر عوائق الحياة، لماذا كان علي أن أدرس لمدة 16  سنة كاملة لأخرج في الأخير سوى بالحروف الثماني و العشرين التي تعلمتها تحت طائلة التهديد !!من دون أن أحقق شخصيتي وذاتي،لم أحقق سوى صراع داخلي كان يجب أن يرتقي إلى صراع بنيوي لا صراع قائم على توافه الأمور التي ترمي بالإنسان إلى العدم.

متأكد جدا من أن المدرسة إنما تقضي على الموهبة، تقضي على البشائر الأولى للنبوغ التي تبرز في الطفل. تلك المدرسة التي علمتنا و لازالت تعلم الملايين الإنحدار نحو الأسفل، البقاء في الكهف المظلم الذي خلقنا فيه. المدرسة لا تحمل أجوبة عن الأسئلة الحقيقية للوجود.. لا تحمل إجابة عن هوية الفرد، لن تحقق تلك القفزة التي يجب أن تحصل لدى الإنسان في حياته.. ألم تمروا حين مراهقتكم بأزمة الوجود؟، حين يطرح عليكم ذلك السؤال الذي يأتي من داخل أعماقكم، ماذا نفعل هنا؟ ما الفائدة من أن يخلق ذلك الرب الموجود في السماء هذه الأجساد و الأرواح. هذا السؤال الوجودي فرض نفسه علي لمدة تزيد على الأربع سنوات، و لا تزال تأثيراته بادية في شخصيتي إلى اليوم، لكنني استطعت ظبط الجواب، استطعت التوقف عنده ومراجعته و فهمه. لكن لم يكن ذلك بفضل المدرسة. التي لا تستطيع حتى معالجة قضية الهوية، أن يسال طفل تربى على روتينية الأشياء، من أنا؟.

أراهن على أن المدرسة تسبب عائقا أمام تطور الإنسان، أمام ما يجب أن يكون من تميز لمخلوق ما خلق هكذا عبثا.. المدرسة تزرع فينا عبثية الوجود. لا أقول أنها التي تدفعنا لطرح السؤال الوجودي..لا، فهي لن ترتقي إلى ذلك الحد. و إنما عبثية الحياة نفسها التي لا تحيلنا سوى على الفراغ.

ولكن بعد كل هذا و ما سيأتي لاحقا، ما الحل؟، ما البديل؟. هذا السؤال الذي يتشكل عقب كل مشكلة تطرح يحتاج الى مقالات جديدة سأحاول أن أطرحها في هذا السياق، و ربما ستكون ذات أفكار أكثر تنظيما و ضبطا عكس ما جاء في هذا الموضوع السريع.

Advertisements

One thought on “ذكريات مدرسية خشنة

  1. التنبيهات: حينما تقتلنا المدرسة | خَرْبشة

شاركنا رأيك

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s