تْلَعْ

الملل يسري في الجو.. يكره الإنتظار. و ما يكرهه أكثر.. أنه لا يعرف بالضبط ما الذي ينتظره.. ينتظر أن ينتهي شيء ما ليبدأ الآخر.. هكذا اختزل سويعاته تلك التي يقضيها في المقهى.  يتوقف أمامه حيث لا تتجاوز خطواته عتبة القرية التي ولد فيها، و يعيش.

منذ أيام بدأ يزعجه ذلك التلفاز الذي وضعوه هناك في زاوية عالية حيث تبحلقت فيه كل العيون و صمتت كل الأفواه، لم يعد هناك من ضجيج.. كم كان يحب تلك القذارة التي تنطلق من الأجساد المتبعثرة في ساحة المقهى. لكن لم تعد هناك قذارة.. المذيعة الجميلة بالبلوزة الحمراء جذبت كل الأعين.. نظر إليهم مشفقا:

و كأنهم يفهمون في السياسية؟ منذ متى كان العالم يعنيهم؟؟.

في اليوم التالي تباطئت خطواته إلى المقهى.. الضجيج وحده من كان يخفف عليه رتابة أن يكون. لم يعد هناك من ضجيج!.

تابع عدم إكتراثه لذلك المخلوق الغريب الذي حل فجأة محل ما كان ينتظره..

في إحدى الليالي التي شاهد فيها كابوسا مرعبا حلق ذقنه، حمل عكازه و مضى.. منذ تلك الليلة  لم يره أحد. و لا أحد فهم أين اختفى فجأة، تْلَع.. تعليق صغير حشا المقهى بسبب ذلك الصندوق الموضوع في إحدى زواياه.. كم هم كثر أولئك البشر الذين يسكنون داخله!.

تْلع: تعني باللهجة الجزائرية اختفى فجأة

خولتنا

نلبس مآزرنا التي يميل لونها إلى الاصفرار من شدة الذبول.. نخّبز بأيدينا الملطخة ب”جّال” على مجموعة الشعيرات المقوسة إلى السماء, نضع محافظنا التي لا يثقلها سوى كراسة المحاولات على ظهورنا ونخرج كالريح قاصدين الثانوية. قبل نصف ساعة من الدراسة نتكأ على الحائط الذي شوهته عبارات من مثل احبك.. جوتام يا دينك. عمر+سوسو= love . رِجل واحدة على الأرض و الأخرى على الجدار.. ننتظر في ترقب مرور خولة.

بين صديقتيها التين تشبه إحداهن جوكر في فيلم باتمان وأخرى المشعوذة التي تمتطي المكنسة في دراكولا تطل خولة وهي تنتشي بنظرات العشرات من المعجبين الذي يصطفون في تناسق بديع مطلقين الغمزات والقبلات المكوكية التي تحط على خدها الذي يلمع كالبلور. تراهم يسقطون صرعى عندما تبدأ رائحتها الشهية في الانتشار. من البعيد نطلق خزرة في الهواء.. وتبسبيسة ( بسسستتت) لكن خولة لا تلتفت, تمارس غرورها الشهي، تظطهدنا بكبريائها الموحش.. تمر محرقة كياننا ومن دون أن تلتفت. تصبينا بالصرع و بالإغماء و بالسكر. عينيها الجميلتين تجعلان الشاب خالد يصدح بصوته من احد الهواتف ( عينيك كي عينيا وعينيك شابين)… حتى الأساتذة يدللونها.. تترنح بينهم كأنها عصفورة. في حصة الرياضة كل منا يكشف عن صدره الممتلئ و ظهرنا مقوس كحامل النشاب، لكن أستاذ الرياضة سرعان ما يخطفها منا، يجلسها مقعده ويريحها الى جنبه. يصيح فينا، آلي ديقاج.. جُوي لوبالون .. نلقى واحد يدور هنا ننننـــ….. !! ينهرنا و سرعان ما يعود إلى خولتنا ..التي لا تبالي بنا.