فتاتي التي كنتِ

نفتحه على ضحكة ونعود.. خاتمين إياه على ضحكة، حديثنا الطويل المفعم بالحنية كان يخلط بداخلنا كل المشاعر، أترقب عينيك بصمت وسعادة وأنت تلوِحين بيديك في الهواء غير قادرة على أن تتكلمي وفقط.. تمارسين كل أنواع الحديث حتى ذلك الذي توجهينه إلي بعينيك وأنا مستغرق في الغرق فيهما طويلا. أنتبه إلى نفسي وأدخل معك في معمعة ثرثرة لا تكاد تنتهي أبدا، ربما كان ذلك دعوة منك إلى الاستمتاع بكل ثانية تمر، أن نتحدث ونتحدث ونتحدث، ألا نتوقف حتى لنشغل أنفسنا بالتفكير في ما قد يصير إليه حالنا في المستقبل القريب… اليوم أخمن أنك كنت تفعلين ذلك لعلمك ربما أنه لن يكون هناك مستقبل، حتى ذلك القريب منه.

يغريني التساؤل عما كنا سنصير إليه معا، كان كل شيء في مكانه، كل الشروط التي تجمع بين اثنين لكي يجابها معا تحولات الزمن. لكن مع  إغراء السؤال ذاك خيبة صغيرة عن أنه ربما رغم التناسق الذي كان بيننا لم يحدث أن أكملنا معا أشهر قليلة حتى افترقنا، لحظة فعلنا ذلك كان كل شيء سريعا، سريع بسرعة الأحاديث التي كنا نتناولها في أيامنا، سرعة شفاهنا وهي تبعثر الحروف هنا وهناك، وسرعة نظراتنا لبعضنا البعض. وسرعة الأفكار التي تخطر ببالنا حينها. استغرقُ اليوم في التفكير طويلا ربما وببعض الحزن في ما كان يجمعنا، ربما اليوم فقط أجد وقتا كي أفكر.. كم كنا رائعين، مستغربا في ذات الوقت ما قد يكون على لسان إنسان آخر لم يكن يرى بيننا غير التكامل والانجذاب.. لماذا حدث وافترقنا؟.

وأنا أعود لتلك الأيام التي جمعتني وإياك، وبالضبط اليوم الأول الذي رأيتك فيه، لا أصدق كم أنني من الغباء بحيث لم أقف موقفا حازما من علاقتنا، استدرجتني كما كنت أريد أن افعل معك، في الغالب هكذا هن الفتيات الجميلات يسعين لنيل الكثير من الاهتمام، لم يكن هذا دافعك حين اقتحمت علي خلوتي في ذلك الصباح الصيفي، حينها لم أعبا بما كان ينتظرني معك، حين جلست بجانبي ورحت تتحدثين عما كنت تريدينه مني، أن تتعلمي الكتابة. تلك التي أريد منذ ولدت أن أحاولها، أن أرضى عنها بحيث تشكل ذائقة لمن يتناولها بالقراءة، لم أدرك أنها كذلك عند البعض.. عندك أنت، أتساءل إن كنت قد قرأت لي شيئا قبل أن تطلبي مني أن أعلمك إياها، لكن حتى وإن لم تفعلي، حتى ولو كنت أفضل مني أسلوبا في الكتابة كنت سأرضى بأن أعلمك أو أتعلم منك، المهم هو أن يقودني ذلك إلى انهض صباحا منتشيا برؤيتك والحديث إليك.
هل تصدقين ذلك، ما كنت لأطمع في غير أن استمع إليك وأحمل منك جميع الثرثرة الجميلة التي كانت تنساب إلى روحي مبددة الشحوب في أعمق زواياها ذلك الوقت، لكن بعدها أصبح رونقك يسيطر علي، أصبح خيالي الذي يعجز أن يتقدم خطوة للأمام، يتقدم بسنوات، وذلك المنزل الذي شيدته على طرف البحر، وأنا التقط لك صورا بفستانك الزهري وأنت تجرين الهوينى حافية القدمين على رمال الشاطئ، تنظرين خلفك وتبتسمين لي من بعيد وعينيك تتلألآن بسعادة غامرة تغمرني وإياك.

في ذلك الصباح حين ناديتني باسمي ولم أسمعك، ناديتني مرة واثنان وفي الثالثة تلقفت أذناي صوتك العذب بحروف تشكل اسما  كان لي، عاتبتني. أنا الذي أصر على العيش بحرية مطلقة رافضا أن يعاتبني أيهم على أي شيء، أعجبني عتابك، في غمرة اشتياقي الشديد لك اليوم، اشتاق إليه بشدة هو الآخر. كان عتابك الجميل مدخلا لنفض كل التكلفة التي تنشا بين اثنين وتبقى بعض المرات طويلا ولا تزول، انهارت مع شفتيك الرقيقتين اللتان زممتهما لبعض وحاجبيك اللذين انخفضا قليلا راسمين وجها بريئا على شفا حزن بريئ، هل كان يكفي تلك اللحظة أن أضحي بسعادتي برؤيتك عندها وسعادتي التي عرفتك بها أياما طويلة كي لا تحزني.. كنت لأضحي بكل شيء من أجل أن تعود شفتيك وتنفصلا مبينتان عن بياض أسنانك.

لا أعرف إن كنت أحبك، أتساءل بصدق إن كنت أفعل ذلك؟، وعن ماذا بالضبط كنت سأحبك؟. العاشقون لا يعرفون دوما سبب حبهم للطرف الآخر، يغوصون دوما في أجوبة فلسفية عن الحب، معك أنت لا أعرف إن كنت أحبك مثلما يفعلون. كل ما أعرفه ربما أنني أصبحت بك على شاكلة أن أحسني فعلا، أن لا أقف دوما عند البدايات وأن لا تشغلني النهايات، وأن لا أفكر في صمت وانزعج في صمت وأبكي في صمت، معك كل مشاعري كانت تتحدت بصخب وتصرخ عاليا. أحسستني كائنا بفضلك.. هل هذا حب، أو شيء من الحب؟. معك كان يعني لي الأمر  أن لا يندلع سؤال وجودي الذي أرقني مذ وعيتني على هذه الأرض من أعماق روحي شاغلا إياي عن كل شيء، كان يعني أن لا أحزن عند سقوط المطر، ذلك الذي يجعل حياتي سوداء بقدر سواد الغيوم التي تتراكم سماء. كان يعني أن لا أبقى طويلا في سريري وأنا أفتح عيني صباحا على يوم جديد مشغولا بفكرة متى ينتهي ذلك اليوم لأعود لسريري من جديد.. فهل يعني هذا أن ما أحمله لك كان حبا؟ !.

أتذكرك، في كل لحظة وثانية تمر.. لم يحدث فراقك لي حزنا كالذي كنت أتوقعه، كذاك الذي يبدأ جرحا غائرا ولا ينتهي إلا بنسيان عظيم، وكأنك وضعت بلسما على جرحي الذي كان سيكون بعد رحيلك.. لتبقين خالدة من دون أن ترحلي إلى الأبد. أشتاق إليك، أضع قلمي جانبا واستسلم للذة مشاعري التي تتدفق في هذه اللحظة بالذات، اللحظة التي لا أتمنى معها سوى  لو كنت هاهنا بجانبي وتصرخين في وجهي بلطافة.. “احكي” لا أريد أن أفقد وجودك  للحظة.

خولتنا

نلبس مآزرنا التي يميل لونها إلى الاصفرار من شدة الذبول.. نخّبز بأيدينا الملطخة ب”جّال” على مجموعة الشعيرات المقوسة إلى السماء, نضع محافظنا التي لا يثقلها سوى كراسة المحاولات على ظهورنا ونخرج كالريح قاصدين الثانوية. قبل نصف ساعة من الدراسة نتكأ على الحائط الذي شوهته عبارات من مثل احبك.. جوتام يا دينك. عمر+سوسو= love . رِجل واحدة على الأرض و الأخرى على الجدار.. ننتظر في ترقب مرور خولة.

بين صديقتيها التين تشبه إحداهن جوكر في فيلم باتمان وأخرى المشعوذة التي تمتطي المكنسة في دراكولا تطل خولة وهي تنتشي بنظرات العشرات من المعجبين الذي يصطفون في تناسق بديع مطلقين الغمزات والقبلات المكوكية التي تحط على خدها الذي يلمع كالبلور. تراهم يسقطون صرعى عندما تبدأ رائحتها الشهية في الانتشار. من البعيد نطلق خزرة في الهواء.. وتبسبيسة ( بسسستتت) لكن خولة لا تلتفت, تمارس غرورها الشهي، تظطهدنا بكبريائها الموحش.. تمر محرقة كياننا ومن دون أن تلتفت. تصبينا بالصرع و بالإغماء و بالسكر. عينيها الجميلتين تجعلان الشاب خالد يصدح بصوته من احد الهواتف ( عينيك كي عينيا وعينيك شابين)… حتى الأساتذة يدللونها.. تترنح بينهم كأنها عصفورة. في حصة الرياضة كل منا يكشف عن صدره الممتلئ و ظهرنا مقوس كحامل النشاب، لكن أستاذ الرياضة سرعان ما يخطفها منا، يجلسها مقعده ويريحها الى جنبه. يصيح فينا، آلي ديقاج.. جُوي لوبالون .. نلقى واحد يدور هنا ننننـــ….. !! ينهرنا و سرعان ما يعود إلى خولتنا ..التي لا تبالي بنا.