على باب جيزي

IMG_6250.JPG

الخامسة صباحا كان موعد استيقاظي من النوم، بعد أن صَلَّيْتَ الفجر خرجت بخطى متثاقلة أجر رجلي باحثا عن سيارة تاكسي تنقلني إلى قلب مدينة مستغانم. ولأن الشوارع بدت خالية من السيارات تضاءل أمل العثور على واحدة مصطدما بتعجلي مما يدفعني للذهاب إلى أقرب سيارة كلونديستان، الحقيقة أنها كانت الوحيدة في الجهة المقابلة من الطريق، بعد أن سألت عن الأجر ركبت وطلبت من أخينا الملتحي أن نتوكل على الله.
مع الفجر، تنبعث رائحة خاصة لكل شيء، الأشجار والطرقات والتراب وحتى الانسان تتشكل كلها فتتسرب مع الأنف لتشبع الرئتين بهواء نقي صاف وتبعث علي الانتشاء.
سأصل المدينة بعد عشر دقائق، أنزل قرب وكالة شركة جيزي للاتصالات حيث سأقضي أزيد من ثلاث ساعات كاملة في طابور طويل عريض من أجل اقتناء شريحة للهاتف النقال “ملينيوم الجيل الثالث”، هذه الشريحة التي لا يباع منها سوى مائة نسخة يوميا، بالمعنى عليك أن تنهض باكرا كي تكون من ضمن المائة محظوظ، وذا صبر طويل كي تقف لك وقتا ليس بالقليل قبل أن يجيء الدور عليك.
كنت محظوظا بكوني العدد واحد وعشرون على قائمة المنتظرين. بعد أن سجلت اسمي على اللائحة التي يعدها الزبائن بأنفسهم، انسحبت إلى أقرب مقهى ووضعت رأسي على الطاولة محاولا الانتقام من النوم الذي طار من عيني هكذا لأجل شريحة هاتف.
من أجل أن تفتح الوكالة أبوابها كان علي أن انتظر الى غاية الساعة الثامنة، وإلى ساعة ونصف أخرى من أجل الحصول على شريحة، وقت قال عنه بعض الذين تطابرت معهم (وقفت معهم في طابور)، بأنه أقصر من المعتاد، إذ حسب أحدهم كان البعض ينتظر إلى غاية المساء لتلبية طلبه، بالمعنى أنه كان ينتظر عشر ساعات فأكثر. حمدت الله أني لم أكن من بعض أولئك البعض.
في طريق عودتي اشتريت جريدة الخبر، مع أول نظرة للعنوان الأول بالبنط الأحمر العريض ابتعدت بعيناي عنه، وبسرعة لففت بها علبة الشريحة الحمراء متجنبا التدقيق في بقية العناوين، منذ مدة ليست بالقصيرة لم أشار جريدة، مقاطعة صحية أتمنى أن أواصل العمل عليها بقية عمري.
بالبيت، وضعت قدمي في دلو ماء ساخن رششته بالملح، آلام شعرت بها بعد الوقوف لساعات طوال، لكنها كانت تستحق، على الأقل من أجل ذلك الفرح الباطني الذي أحسست به وأنا أتأمل علبة الشريحة بين يدي.

سمراويت، إرتيريا التي لا نعرف

IMG_6194.JPG

بداية، ما أثار فضولي في رواية الإريتري حجي جابر التي عنوانها “سمراويت” هو الإنسان المدعو محمود الإريتري الوحيد الذي عرفته في حياتي وإن كان عن بعد، عرفته كصحفي كاتبا في الشأن الثقافي في إحدى الصحف الجزائرية وطالبا في تخصص الأدب العربي بالجامعة إن لم تخني ذاكرتي. تطابق محمود هذا مع صديق الراوي بالرواية بالإسم هو المدعو محمود كذلك، وعمل كليهما في قطاع الصحافة والعيش بالسعودية واكتناز الجسم حتى.. وددت فقط إشباعا للفضول لو أسأل محمود الذي أعرفه ولا يعرفني إن كان هو المقصود بمحمود في الرواية؟!.

غير محمود، “سمراويت” حجي جابر أحببتها قبل أن أقرأها، وقد أجلت فعل ذلك لأشهر عدة قبل أن اغترفها أمس في جرعة واحدة مع عدد صفحاتها الذي يقارب المئتين. رواية عن الهوية والاغتراب والبعد تلخص واقعا يعيشه الآلاف من التائهين بين موطن الأجداد وموطن النشوء، وما بينهما نوازع لكليهما دون الظفر بالهناء في كنف أحدهما. يلخص ذلك بطل الرواية بقوله: ” في السعودية لم أعش سعودياً خالصًا، ولا إريترياً خالصاً، كنت شيئًا بينهما”.
بعد أن قرأتها سبرت أغوار حضارة أخرى وثقافة أخرى بمنظار مقرب، بسيطة بلغتها عميقة بمدلولها، شجن يكتنف الراوي بين سعادة غامرة لأرضه الأولى وحزن خفي عليها وعليه.
يصطنع الراوي لحكايته زمنين، يبدأ الأول بنزوله في مطار أسمرة الدولي عاصمة ارتيريا زائرا إياها أول مرة، والثاني ما عاشه في جدة، بلاده الثانية، منشأه الأول. باريتيريا حيث يقرر أن يزور بيت أجداده يحظى بأن يعثر له على رفيق عمره “سمراويت” الفتاة المرحة، ابنة باريس بالتبني والتي تبعد عنه شبح الوحدة في بلاد سكنها في مخيلته بيد أن أقدامه لم تطأها قبلا.
عنوان الرواية “سمراويت”، الذي جاء على اسم حبيبته، أحب أن أتخيله جاء على معنى ارتيريا نفسها. سمراويت الأنثى لم تكن روح الرواية ولا شغف حبها الراوي، بقدر ما كانت ثورة الإيريتيريين على المستعمر الإثيوبي وقبله الإيطالي، بقدر ما كانت الأحاديث السياسية الساخنة بين الشعبيين والمعارضين والتحريريين.. المباني الإيطالية الطراز وسط أسمرة ومعها المعمار التركي الذي يحكي كثيرا قصة أخرى من قصص المدينة.. قهوة “الجبنة” الشهيرة.. كاتب ارتيريا وثائرها الكبير “محمد سعيد ناود”، أو مطربها إدريس محمد علي… كل هؤلاء سمراويت، إرتيريا العتيقة.
اعترف أن هذه الرواية أحرجتني بجهلي المطبق عن اريتيريا، هذا البلد الذي ما كنت أعرف أن 75 % من سكانه عرب يدينون بالإسلام، وبتاريخه الكبير مع الاسلام الذي ابتدأ بنزول صحابة رسول الله رضوان الله عليهم بمنطقة رأس مدر في طريقهم إلى النجاشي ملك الحبشة. ثم هل يعرف أحدكم أن الشاعر الروسي الكبير بوشكين هو من أصل ارتيري ؟!. وهل يعرف أحد أن جبهة التحرير الإريترية التي أسست لمقاومة الاستعمار الإثيوبي سميت تيمنا بجبهة التحرير الجزائرية؟.
يذكر أن الرواية فازت بجائزة الشارقة للابداع 2012.
شكرًا لحجي جابر على هذه الرواية.. بدأت أنسج في رأسي أسئلة أود طرحها عليه، وليس من بينها أمر محمود، لأن فضولي سيقودني للبحث بسرعة عن التشابه العجيب بين المحمودين أو إن كان الأمر بالفعل محمودا واحدا.

بقي أن أنصحكم بقراءتها، وهذا الرابط لمن يود قراءتها من النت، ولا تقلقوا من حقوق الملكية، حجي جابر نفسه هو من أوصى بذلك.
https://ia601700.us.archive.org/24/items/kt0bi004/smrayat.pdf
الرواية على غودريدز
https://www.goodreads.com/book/show/15714709

استزد بمعرفة المزيد عن ارتيريا
http://ar.m.wikipedia.org/wiki/إريتريا
الكاتب والسياسي محمد سعيد ناود
http://ar.m.wikipedia.org/wiki/محمد_سعيد_ناود

شهادة في حق ناود
http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=229352&r=0

العودة للجنة

تخطر على بالي أحيانا مجموعة من الأفكار التي تصبح مع الوقت مجرد حبر على ورق أبيض سرعان ما يخفو حماس تحقيقها، قرأت لأحدهم مرة أن أفضل طريقة لتحقيق فكرة ما هو البدء بالعمل عليها، أو بالإمكان مشاركتها مع الآخرين لربما راقت لأحدهم وحققها (فقط إن لم تكن تدر الملايين :p).

2

لمن لم يقرأ منكم كتاب “المملكة من الداخل” للصحفي الأمريكي روبرت ليسي أنصحه بفعل ذلك، يوم اقتنيت هذا الكتاب قبل عام من الآن تساءلت، لم أفعل ذلك؟، إنه كتاب يخص السعوديين وليس أنا، أنا لست سعوديا!. لكن بعدما قرأته شكرت نفسي لأني لم أستمع لها ذلك الوقت واقتنيته.

في هذا الكتاب الذي يتناول ثلاثين عاما من تاريخ السعودية المعاصر (1979-2009)، مع بعض الإشارات أحيانا إلى تاريخ أبكر لنشوء مملكة آل سعود يطلعنا الكاتب على حقائق غريبة عن هذه الدولة وأخرى ملهمة كذلك، بالاضافة الى معرفة بأحداث غيرت الكثير في المنطقة، بل في العالم. سيحصل أن يتعرف القارئ على وقائع ما كانت لتحصل إلا في السعودية نظرا لعدة عوامل أهمها ان بها مكة، المكان الأقدس لدى المسلمين ولطبيعتها السياسية والدينية كذلك.
في الكتاب كذلك حديث عن القاعدة، عن أسامة بن لادن وكيف واتته فكرة تنظيم دولي، لم أعرف إلا من خلال الكتاب أن أصل تسمية “القاعدة” جاء من اسم “قاعدة بيانات مجاهدي الحرب ضد السوفيات،” والتي جمّعها بن لادن ليسهل عليه الاتصال بأصدقائه المجاهدين إن هو احتاجهم مرة أخرى، وقد احتاجهم فعلا بعد ذلك.
كانت لدي فكرة بخصوص التطرق لأبرز الأحداث التي أثارت انتباهي في الكتاب وكتابة تدوينات منفصلة عنها، قد أفعل ذلك لأني سجلت العديد من تلك الأحداث في دفتر خاص وجمعت عنها بعض المعلومات، لا ريب أن كتاب ليسي فتح عيني على أحداث أخرى كثيرة لم يتناولها أو مر عليها من دون التفصيل في حيثياتها وهو ما جعلني أنبش النت نبشا للوصول إليها.
لأكون عمليا فقط ولا أكتفي بالثرثرة هنا، سيكون أول موضوع أتطرقه له في تدوينة قادمة موضوع “حادثة فتيات مكة 2002” وهي حادثة مأساوية حزينة وقعت في مكة سقطت جراءها عديد الأرواح البريئة. ها قد أعطيتكم ما قد تريدون أن تبحثوا عنه، ان لم تفعلوا انتظروا لتقرأوا عن ذلك هنا.

3

Return to paradise أو “العودة للجنة” لم يكن أبدا عودة للجنة، شاهدت هذا الفيلم مؤخراً وقد كان كما لا يتوقع أحد من عنوانه حزينا جدا، هوليود مشهورة بزرع هذا الشعور في عقول مشاهديها، لو كنت أعرف أن ما حصل سيحصل ما كنت شاهدته، وأعني بذلك إعدام “لويس” في آخر الفيلم في سجن بماليزيا.
لا أعرف إن كنت أودّ الكتابة عنه، لكن بإمكانكم أن أخذ فكرة عامة قبل مشاهدته. “شريف” و”طوني” شابين قاما بزيارة صديقهما لويس في ماليزيا، الثلاثة تفسحوا مع بعض وعبثوا قليلا حين واشتروا حشيشا قبل أن يعود الاثنين الى أمريكا ويتركان صديقها الذي كان يهتم بالطبيعة والحيوانات هناك. بعد سنتين حصل أن جاءت محامية الى شريف وطوني تطلب منهما أن يعودا إلى ماليزيا ليسجنا 3 سنوات وينقذا لويس الذي قضى عامين في السجن بسبب الحشيش من الإعدام.
لكم أن تتخيلوا الشد والجذب بين الصديقين والمحامية وبين كل واحد منهما وضميره، في الأخير يعدم لويس “أعلم أني أحرقت أحداث الفيلم”، ليس بسبب عدم ذهاب الصديقين (وقد ذهب شريف)، بل لسبب آخر بدا سخيفا في نظري وهو مقالة كتبتها صحفية أمريكية ازدرت فيه العدالة الماليزية.
هناك مزايدات في الفيلم أكيد، إذا ما نظرنا إليه من غير الزاوية الأمريكية، لكنه لمن يشاهده جد حزين، خصوصا مشهد لويس وهو يسمع حكم إعدامه من قبل القاضي الماليزي.

4

عودة إلى الكتب، بدأت اليوم بقراءة كتاب “في أحضان الكتب” للرائع بلال فضل، قرأت لحد الآن 120 صفحة منه، وقد أنهيه في آخر الليل لأشارككم بعدها ما أعجبني منه.
انتظروووني

IMG_6184.JPG

عشر كتب المؤثرة في حياتي

هنالك من الكتب من لا أستطيع الكتابة عنها، تماماً كما هو الحال بالنسبة لبعض الأفلام، وأقصد منها طبعا تلك الكتب أو الأفلام الرائعة جدا، المثالية أحيانا، والتي إن حاولت بأي شكل من الأشكال أن أعبر عن مدى ما تركته في من تأثير سأكون قد قللت من شأنها وأبخستها حقها وأسأت إليها.
لكن شعورا ما يراودني في أن أتخلص من عبء مثاليتها في داخلي، أن أنقل عنها شيئا، أعبر وأستشعر جمالياتها في الكلمات، وإن كانت حروف كلماتي تعجز عن احتواء جمالياتها.
سأكسر القاعدة قليلا لا لكي أنقل ذلك الجمال الذي بداخلي حول تلك الأعمال، أعرف أني لا أستطيع إيفاءها كامل حقها في ذلك، بل فقط كي أشارككم بعضا من المعلومات حولها كي أؤدي واجبا انتشر على الشبكات الاجتماعية ضمن تحدي العشر كتب التي أثرت فيك، وقد جاء الدور علي بعد أن وصلتني الدعوة من الصديقة إيمان بخوش.

ملاحظة:
1) الكتب مرتبة ترتيبا عشوائيا
2) الكتب المذكورة ليست كلها الأكثر تأثيرا في حياتي، ولكن كلها على قدر كبير من التأثير في.

عزازيل، يوسف زيدان (رواية)

عزازيل من أكثر الروايات التي أثرت بي كما أنها تتصدر لائحة أفضل الروايات العربية التي قرأتها، لماذا؟. السبب الحقيقي غير معروف، وقد لا يكون بالضرورة إن عرف كاف ليعبر عن الحقيقة، ربما لأني قرأت عزازيل في وقت كانت هناك فوضى وجودية بداخلي وإعصار شديد حول الدين والله، فوجدت فيها معبرا لفهم حالتي تلك. زيادة على روعة الرواية التي أهلتها للفوز بجائزة البوكر العربية العام 2011.

كيف تتخلص من الخجل، يوسف الأقصري

قد يبدو الكتاب للبعض كنوع من تلك الكتب التي تسوق للمثالية، والتي مثلها مثل كتب الطبخ تشهد إقبالا منقطع النظير لدى القارئ العربي، قد يكون. ولكن هذا الكتاب عمل تحولا كبيرا في حياتي في فترة المراهقة. كل من يعرفني يعرف أنني “حشام” بطبيعتي، صفة يراها البعض تعبر عن الحياء، لكن الحشمة التي عشت معها في طفولتي وجزءً من مراهقتي كانت أقرب للحشمة المرضية، صعوبة الاختلاط بالآخرين، التوتر، النرفزة، وزيادة على الرهبة من الجنس الآخر. مع هذا الكتاب قطعت شوطا كبيرا في التخلص من كل ذلك.

على نهج محمد (كارل ايرنست)

كتاب حول الاسلام موجه للأمريكيين، نظرتنا نحن المسلمون للإسلام الذي تربينا في ظل مجتمع يدين به بالفطرة تختلف عن نظرة غير المسلم الآخر الذي يعرف الاسلام من خلال قنوات عدة. هذا الكتاب يشكل قناة لمدخل فهم الاسلام المعاصر الذي يقوم على الجمع بين ما وصلت اليه البشرية من تطور رهيب في جميع المجالات وبين نصوصه التي تؤطر لذلك التطور.
الكتاب عرفني لا على إسلام جديد، ولكن على زاوية مهمة لفهم أفضل له، رغم أن صاحبه قد لا يكون مسلما.

زمن الخيول البيضاء، إبراهيم نصر الله (رواية)

الصراع الحاصل في فلسطين اليوم والذي ولد في ظله غالبية جيل اليوم، فلسطينيون أو غيرهم صراع وجدت قبله صراعات أخرى تمتد على مدى مئات السنوات. يجد غالبيتنا في الصراع الدائر اليوم إشكالية في فهمه وتطوره وما سيؤدي اليه، رغم أن الغالبية يعتنقون مبدأ “مع فلسطين ظالمة مظلومة”، وهو مبدأ أثبت العدوان الأخير على غزة أنه هزيل ومتهالك.
هذا العمل الروائي الملحمي، أعاد للقضية الفلسطينية مكانتها الحقيقية في داخلي، رواية تنقلك إلى قلب الدفاع عن الأرض منذ أيام الحكم التركي لفلسطين مرورا بالاحتلال الانجليزي وبعده الصهيوني الغاشم. رواية أتمنى وجودها في كل بيت وفي كل يد.

حمى الأربعون، لا ملائكة، لا شياطين

نسيت اسم مؤلفه التونسي، ولو بحثتم عن الكتاب في النت قد لا تجدونه. قرأته في صغري، حين كان عمري 16 أو 17 سنة، كتاب عن أربعين شخصية عالمية أحدثت تأثيرا في محيطها، هذا الكتاب شكل بالنسبة لي تحليلا لشخصيات غريبة تحكمت في مصائر العالم، بعضها قادته إلى الهلاك، كمثل هتلر والبعض الآخر إلى السلام كمثل غاندي.

ليون الإفريقي، أمين معلوف (رواية)

روايات الكاتب اللبناني الكبير أمين معلوف روايات هوياتية (على الأقل تلك التي قرأتها)، في هذه الرواية الهوية مصدر انطلاق وعنصر بحث في آن. فليون الإفريقي أو يوحنا دوميديشي، أو حسن الوزان هي مجموع هويات لهوية ضائعة لصاحبها البطل الذي ضيع وطنه الأندلس أو ضيعوه له، ضيعوه لجميع من أتى بعده.
الرواية تنطلق من أحداث وشخصيات حقيقية، مثل شخصية البطل حسن الوزان. تزرع فيك خنجر الفقدان العربي الاسلامي للأندلس وتحيلك على واقع نجني فيه ذنوب من سبقونا.

من أجمل ما قرأت في الرواية:
لقد كنتَ في روما ابن الإفريقي , وستكون في إفريقيا ابن الرومي.. وأينما كنت فسيرغب بعضهم في التنقيب في جلدك وصلواتك، فاِحذرْ أنْ تدغدغ غريزتهم يا بنيّ، وحاذرْ أن ترضخَ لوطأة الجمهور فمسلماً كنت أو يهودياً أو نصرانياً عليهم أن يرتضوك كما أنت أو أن يَفْقدوك، وعندما يلوح لك ضيق عقول النّاس فقُلْ لنفسك أرضُ الله واسعة، ورحْبة هي يداه وقلبه، ولا تتردّد قطّ في الاِبتعاد إلى ما وراء جميع البحار، إلى ما وراء جميع التخوم والأوطان والمعتقدات.

مذكرات أحمد الشقيري، أحمد الشقيري

ليس هو السعودي أحمد الشقيري صاحب برنامج خواطر، وإنما أحمد الشقيري المناضل الفلسطيني الكبير. وقعت مذكراته بين يدي عن طريق الصدفة فقط ولم أعرف إلا بعد وقت أنها كنز ثمين حزت عليه، وإن كنت لا أتذكر اليوم الكثير من تفاصيلها إلا أن تأثيرها كان كبيرا علي، خصوصا فترة طفولة الشقيري التي شهد معها تحولات كبيرة في فلسطين.

المملكة من الداخل، روبرت ليسي

كتاب عن المملكة العربية السعودية، طيب لماذا السعودية؟ السعودية مرتبطة لدى الكثيرين منا، خصوصا لدينا نحن الجزائريون بشيئين اثنين، مكة المكان المقدس عند المسلمين، ونظام آل سعود، النظام (العميل) لأمريكا، كما هي جميع الأنظمة العربية. لكن بالنسبة للسعودية الوضع مختلف، معقد، فالنظام السعودي قائم على مباركة علماء الدين منذ نشأة السعودية إلى اليوم، هناك تناقض واضح للعيان لكل من لا يعرف السعودية عن قرب. هذا الكتاب هو الذي يقربك إلى عمق هذا البلد ويزيل ضبابية التناقض أو يزيده ولكن مع فهم أوضح له.

نورس باشا، هاجر قويدري (رواية)
لا أعرف إن كان علي أن أضع كتاب جزائري في القائمة، لكن هذه الرواية تستحق فعلا أن تكون هنا. بعدما قرأت عنها الكثير بعد فوزها بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الروائي عام 2011، كان لي شرف اللقاء بمؤلفتها العام الماضي خلال فعاليات صالون الجزائر للكتاب، ومن سوء حظي أو حسنه أني لم أكن قرأت روايتها بعد، لكني فعلت ذلك بعد أيام قلائل، وكم كانت دهشتي من روعتها. بددت في داخلي خيبة الكثير من الروايات الجزائرية الجديدة التي قرأتها تلك السنة.
رواية هاجر قويدري زيادة على اللغة البديعة التي كتبت بها تناولت زمناً قل تناوله لا في الرواية الجزائرية فحسب وإنما في الكتب التاريخية أيضاً، وهو فترة الوجود التركي بالجزائر. لا أعرف لماذا يخفق قلبي كلما زرت معلما عثمانيا في الجزائر العاصمة، رغم كونه مجرد أثار لمن عاش هنالك، مع هاجر قويدري كان أن جعلت تلك الآثار حية بأناسها في داخلي تماماً كما كنت أحب تخيلهم. رواية رائعة أتمنى أن تتبعها هاجر بروايات أخرى مثيلاتها.

شاهد على اغتيال الثورة، الرائد لخضر بورقعة

كتاب عن الثورة التحريرية وهو عبارة عن مذكرات للرائد بجيش التحرير الوطني لخضر بورقعة، قرأت هذا الكتاب في فترة مبكرة من حياتي، وحسن لي أن أعرف الكثير من خبايا ثورة التحرير والسنين الأولى بعد الاستقلال على خلاف ما كنا ندرسه بالمدرسة وقد أثر كثيرا في وبت أستند عليه في تفسير الكثير من الأحداث التاريخية التي حصلت في الجزائر بعد الاستقلال. كان لي شرف بعد أعوام من قراءتي للكتاب، أن التقي بصاحبه الذي دوخ الفرنسيين بعد أن كان هذا حلما حملته لسنوات عدة.

انتهى

هذا ما في جعبتي من الكتب العشرة التي أثرت في حياتي، ماذا عنكم أنتم؟
شاركونا في حملة books_challenge#

الأرقام تكذب أيضا

هل هناك جريمة مثالية؟، تلك التي يقوم بها شخص ما من دون أن يلحقه منها أي ذنب؟. يقال أن ذلك حصل مع “هاورد غرين”، هاورد كان تاجرا يعيش حياة هادئة مع زوجته، لكنه على خلاف الحياة الهادئة التي كان يعيشها، كان في داخله يشعر بالغضب ويكن لزوجته كرها كبيرا، كان يمقتها إلى حد كان يتخيل نفسه يقتلها آلاف المرات وينجو في كل مرة من فعلته، ومع رغبته المتقدة هذه، كان أن قام بكتابة عديد خطط القتل على دفتر سري يشرح فيه كيف يرتكب جريمته من دون أن يكشفه أحد، قتلها عشرات المرات على الورق، طرق مثالية رسمها هاورد لقتل زوجته لم تكتشف إلا بعد وفاته.
السؤال المهم طبعا، ما المثالي في الجريمة التي ارتكبها هاورد بحق زوجته؟. ولكن هل ارتكب هاورد جريمته؟ إنه السؤال الأهم، والحقيقة هي، أن زوجته هي من قتلته. بعد أن اكتشفت الدفتر سارعت هي إلى قتله خوفا من أن يفعل هو. مع هذا برأتها المحكمة باعتبار أن ما قامت به الزوجة هو دفاع عن النفس مما كان يخطط له زوجها من جرائم تلك التي رسم خططها على الدفتر .
نرجع مرة أخرى لسؤالنا، أين المثالي في جريمة القتل هذه، جريمة قتل الزوجة لزوجها هاورد غرين؟. المثالي، هو أن الدفتر الذي يحوي خططا لقتل الزوجة لم يكن لهاورد كما اعتقدت المحكمة، وإنما كان لعشيق الزوجة مزور الخطوط.

من فيلم The Oxford Murders

القصة أعلاه من فيلم عن جرائم قتل متسلسلة في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، للأسف لم أتابعه منذ البداية، ولم يجذبني اليه سوى كونه من بطولة أحد ممثلي المفضلين “اليجا وود” والقصة التي قرأتموها أعلاه.
استغرقت في متابعة تفاصيله الدرامية والمشوقة عن قاتل متسلسل بدأ بجريمة قتل سيدة عجوز، بطل الفيلم “مارتن” كان في رحلة سياحية رفقة صديقته قبل أن تستحوذ عليه الأحداث ليتحول إلى تحر عن المجرم الطليق، ساعده في ذلك أحد أساتذة الرياضيات بالجامعة. جرائم القتل التي كانت تحدث كلها لم تخرج عن دائرة النظريات الدقيقة التي أراد الأستاذ والبطل تحويلها إلى حقائق لكشف الفاعل حتى تم لهم ذلك.
المسلي في الفيلم أن يكتشف المشاهد أن القاتل لم يكن سوى الأستاذ، وثانيا أن بداية جرائم القتل كلها حصلت بسبب البطل نفسه. وما المجرم الذي تم كشفه في الأخير إلا رقما في نظرية سلسلة الجرائم. لتدحض مع ذلك النظريات التي حاول من خلالها البطل كشف المجرم والتي كانت قائمة على أساس أرقام رياضية.
الفيلم ممتع، أنصحكم بمشاهدته 🙂

IMG_6055.JPG

رحيل الباحث عن “رجل السكر”

صورة

في ديسمبر من السنة الماضية، وخلال فعاليات الملتقى الدولي للسينما بالجزائر، أعجبني بمدخل قاعة الموقار ستيكرز باللون البرتقالي الغامق لفيلم لم أعتقد أنه يحمل قصة كبيرة اسمه “البحث عن رجل السكر”. كان الفيلم الذي صمم ملصقه ببراعة بحيث شكل رسم لقيتار على ظهر رجل طويل الشعر يبدو من مغنيي فترة الثمانينات في الأحياء الفقيرة بأمريكا قد فاز تلك السنة بجائزة الأوسكار الشهيرة لأحسن فيلم وثائقي، والجميل فيه أن مخرجه سويدي ذو أصول جزائرية اسمه مالك بن جلول.

قصة الفيلم كما رواها مخرجه “هي عن رجل لم يكن يعرف أنه كان مشهورا. إنه رجل، أصدر منذ ثلاثين عاماً ألبوما غنائيا خلال فترة السبعينات، كان عملاّ جميلاً، إلاّ أنه لم يتمكن من بيع أي نسخة في أميركا. قام بتجربة أخرى، وأصدر ألبوماً جديداً، وكانت النتيجة نفسها، لا شيء تماماً. وبعدها، وكما تعلمون، ماذا يفعل؟ قرر التوقف نهائياً عن الموسيقى، وبدأ العمل في البناء، ولم يكن يعلم أنّ ألبوماته حققت نجاحاً في جنوب أفريقيا. رودريغيز أصبح أكثر شهرة من فرقة رولينج ستونز. لقد كان الأسطوانة البلاتينية لمدة عشر سنوات حيث حقق مبيعات ضخمة وأصبح أحد أكثر الفنانين شهرة من أي وقت مضى، إلاّ أنه لم يكن على علم بكلّ هذا”.

يعمل المخرج، من خلال فيلمه على نقل ما يعيشه الكثير من الجمهور في العالم وجنوب إفريقيا على وجه الخصوص من بالغ الطرب لأغاني سيكستو رودريغيز، الذي ينحدر من عائلة مكسيكية استوطنت ضواحي ولاية ميتشغان الأمريكية والذي أصدر خلال نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي ألبومين غنائيين، لم يكتب لهما النجاح في حينهما. لكنهما نالا من الشهرة واسعا في مناطق بعيدة عن أمريكا في الفترة بين إصداريهما والعام 2000 بكل من نيوزلندا وأستراليا وجنوب إفريقيا ومناطق متفرقة من العالم، إلا أن صانع كل ذلك النجاح، كان يعمل في مكان ما من أمريكا بناءً حيث لم يصل إلى مسامعه تصفيقات الجمهور لطربهم من أغانيه أو رقصاتهم عليها.

بن جلول ورودريغيز

رودريغيز رفقة مالك بن جلول

أكتب هذه التدوينة عن الفيلم بالضبط، لأن مخرجه الذي صادف والتقى ببطله رودريغيز عام 2006 ليستوحي منه عملا وصل به إلى أرقى الجوائز السينمائية العالمية توفي أمس، في حادث ملأ اليوم صفحات الجرائد والوكالات الإخبارية. خصوصا وأنه بعد لم يبلغ من الكبر إلا 36 عاما ابتدأها وأنهاها بالسويد ما بين يستاد التي ولد بها وستوكهولم التي توفي بها في ظروف غامضة، يرجح حسب شقيقه أن يكون وفاته ناتج عن عملية انتحار.

من الغريب كيف أن الموت يصنع في وسط الأخبار المتراكمة للعالم حدثا مهما بذاته أكثر مما تصنعه حياة الشخص المتوفي نفسها، لم أهتم بمالك بن جلول حين شاهدت فيلمه أول مرة، ولم أكلف نفسي عناء البحث عنه، رغم أن ما حصل عليه فيلمه من شهرة في المهرجانات السينمائية التي شارك بها كفيل بذلك، خصوصا وأني كنت حين تعرفي على الفيلم وصاحبه صحافيا مهتما بالشأن الثقافي. لكن اليوم بعدما قرأت خبر وفاة هذا المخرج الصغير، رحت أبحث في أكثر من موقع وأكثر من مصدر المزيد عن حياته، حياتهُ التي انطفأت فجأة وهو في ريعان شبابه.
هنا تريلر فيلم “رجل السكر”
هنا ماكتب في الويكيبيديا عن مخرج العمل (بالفرنسية)
هنا الموقع الرسمي لرودريغيز بطل الفيلم

 

لقائي بزهرة

zohra drif

بينما أنا غارق في العمل  صباحا بالجريدة تلقيت بيانا ودعوة للقاء سيتم حول كتاب صدر حديثا، أخذت البيان الذي صدر عن وزارة الثقافة ورحت أقرأه، من عادتي أن أقرأ البيانات بسرعة من دون أن تثير انتباهي، فجميع ما قد يأتي بها يكون في العادة خبرا عن مهرجان فني أو فعالية ثقافية تشرف عليها الوزارة والتي تكون سبق وتم الإعلان عنها. لكن المثير في ذلك البيان هو صاحب ذلك الكتاب الذي سيتم حوله اللقاء والذي لم يكن مؤلفه سوى المرأة التي تظهر شابة في الصورة أعلاه.. الصورة التي التقطت لها في العام 1957.

دققت جيدا في البيان، كانت هي نفسها، زهرة ظريف بيطاط، مؤلفة كتاب جديد حول حرب التحرير.. تحرك شيء ما بداخلي واسمها يمر على عيني.. لم أتخيل أن ألتق هذه المرأة في يوم من الأيام، قد لا تصدقون أنني بكيت يوما حين شاهدت فيديو اعتقالها رفقة ياسف سعدي من قبل القوات الفرنسية بعد محاولة الفرنسيين وأد ثورة الفدائيين التي انطلقت في أزقة القصبة وشوارعها، كان ذلك قبل سنوات من الآن، أذكر أني شاهدت لأول مرة فيديو الإعتقال ذاك وأنا أحضر موضوعا حول “معركة الجزائر”، كنت أدرس حينها بالمتوسطي.. أعوام تمر لأشهد بعد ذلك لقاء تلك المرأة نفسها وجها لوجه  تلك التي بدا الفرنسيون وكأنهم حصلوا على غنيمة كبيرة حين اعتقالها.
من المؤكد أنها لا تعرفني، هي لا تفعل ذلك بالتأكيد!، لكنني أعرفها، أو أحسبني كذلك على الأقل، أن ترتبط بها مشاعري ولو قليلا، فذاك يعني أنني أعرفها بعض الشيء، خصوصا إن كانت تلك المشاعر قد تكونت في قلب طفل في الثالثة عشر من عمره.

كان اللقاء مبرمجا بعد يومين على الساعة الثانية والنصف بعد الزوال. بعد مرور اليومان، حملت معي كراستي وقلمي والمسجلة وتوجهت للقصبة، وبالضبط لقصر خداوج العميا، الفتاة ابنة الآغا التركي التي كانت أجمل ما تكون من النساء في عصرها حتى أصيبت بالعمى بسبب فرط رؤيتها لنفسها في المرآة،( أو هكذا تحكى الحكاية). كنت حاضرا هناك قبل حوالي عشرون دقيقة من بدء اللقاء، على طول الطريق، راودني شعور غريب لا أعرف له وصفا، وكأن شخصا قد عاد من الماضي السحيق ليحضر ها هنا روحا وجسدا، هكذا شعرت حينها. لم تكن تلك المرأة عادية أبدا عندي، من منا لم تأسره مشاعره وهو يشاهد فيلم “معركة الجزائر”؟، وهو يشاهد أولئك النسوة الجميلات اللواتي كن يختلطن بالفرنسيات في المقاهي والكباريهات والمطاعم وينسين حقائبهن الملأى بالقنابل قبل أن ينسحبن على وقع الموسيقا الصاخبة التي تملأ المكان قبل أن تعم التفجيرات وتتعالى التكبيرات هنا وهناك. أشك في أن أحدا كما نصف ذلك في لهجتنا المحلية “ما شوكش لحمو” وهو يرى عمر الصغير يدخل بين الأرجل لإغاظة الجنود الفرنسيين. مع كل تلك المشاعر الطاغية التي نحملها في قلوبنا لأولئك ولذلك العصر بالضبط، كان علي أن أقابل هذه المرأة التي كانت إحدى صانعات تلك المشاهد.. هل تتخيلون مقدار الشعور الذي حملته عندها؟؟!.

التقيت بأصدقاء صحفيين قبل الوصول إلى قصر خداوج العميا، لم يكن الدخول سهلا، أو كان كذلك لكن مع بعض الاستفزاز، إذ حاول الحراس منعنا من الدخول بحجة أننا غير مدعوين!! قالوا ذلك على الرغم من أن الدعوة وصلتنا من الوزارة شخصيا.. تبا. غياب رهيب في التنسيق، تحدث كثيرا مثل هكذا أمور في الصحافة، وكأن الجميع “موسوس” من الصحافة، بمجرد أن تقول أنك صحفي ينظر إليك الجميع بعين الريبة !. قد أحكي يوما عن التجارب الطريفة والمستفزة التي حدثت لي في هكذا مواقف. المهم أننا دخلنا وكانت تلك هي المرة الأولى التي أزور بها قصر خداوج العميا، كان قصرا عثماني الطراز، جميل جدا. بني على طريقة بيوت القصبة العتيقة التي تتكون من طابقين مع باحة في الوسط. يشبه إلى حد كبير قصر رياس البحر الذي لا يبعد عنه إلا مسافة قريبة ويطل على البحر.

لدى دخولنا أخذنا أمكنتنا، كنت رفقة صحفيين اثنين صديقين. زهرة بيطاط لم تكن حضرت بعد، ولم أعلم أن خليدة تومي وزيرة الثقافة ستحضر هي الأخرى، بعد قليل وقت أتت، كانت زاهية، جميلة في حلتها، لم تختلف كثيرا عن الصورة التي التقطت لها حين قبض عليها أثناء الثورة التحريرية، وكأنها لم تتغير منذ ذلك الوقت. كانت معها خليدة تومي وزيرة الثقافة، جلست على بعد صفين مني، كانت هناك، إنها هي، هي بشحمها ولحمها.. بقيت دقائق أحدق بها، قمت والتقطت لها صورا، ألقيت عليها التحية في داخلي “هاي.. هل تذكرتني”، وكأنني أحدثها بطفولتي التي كانت يوما ما، حينما كانت أصغر مما أراها، وكنت أنا أصغر مما أنا عليه.
تحدثت ذلك اليوم.. وسمعتها بكل ما في قلبي من شغف، لم تقل كل شيء بالتأكيد. قالت كيف أنها التقت بعلي لابوانت والعربي بن مهيدي وحتى عمر الصغير، ذلك الذي يأسر لب وعقل وقلب كل من شاهدفيلم “معركة الجزائر”. إحساس غريب داهمني وأنا أسمع منها حكاياتها عن الثوار، عن بن بولعيد شخصيا، بن بولعيد الاسطورة الذي يسكن روح كل إنسان جزائري، أقف أمام أحد من التقوه وجها لوجها وشاركوا معه خلال ثورة التحرير، مشاعر لا أقدر على وصفها وأنا أسمع لها ماكانت تقوله، فوق طاقتي أن تحملت كل ذاك، لم تبقى إلا الدموع لم تنزل، توقفت هناك عند مقلة عيني. ربما لأن الجو العام لم يكن يسمح بذلك، أو هكذا حسبت، بعد أن كانت الموسيقى حاضرة بقوة، والتي لم تكن أبدا تتناسب مع لقاء كهذا!.

هل تتخيلون أن تلتقوا يوما ذلك الشغف وذلك الخيال واقعا أمامكم؟. أحسست أني التقيته ذلك اليوم. كنت أريد لو أتقدم منها مقبلا رأسها، لكنني بقيت في مكاني جامدا هكذا أحاول أن أبدو عاديا وسط الأجواء العادية.. لكن ما في قلبي كان، وكنت معه.

بعد أن انتهى اللقاء، انسحبت خارجا، كنت قد سجلت كلامها الذي قالته عن الثورة وأصدقائها الذين قضوا حياتهم، المجاهدون والبلاد وغيرها الكثير من الأمور. كل ما همني من الأمر أني وقفت على حلمي من دون أن يفر مني بعيدا، شاهدته عن قرب وتحسسته إن لم يكن مجرد حلم.. ولم يكن كذلك..