حب مراهَقة

يلبس مئزرا أبيض يصل حد ركبتيه، يجلجل شعره المكشرد. يتجه صوبا نحو الثانوية. لم يعرف في البداية لماذا كانت تحدق فيه بعينين مرعبتين.. أو هكذا تخيل.

في الطاولة الأولى من الصف الأيمن يجلس هو، في الطاولة الأولى من الصف الأيسر تجلس هي.. تنظر إليه، ينظر إليها، ثم تنطبع على شفتيهما نفس الإبتسامة.. ينظرا معا إلى المعلم الذي يحكي عن شخص بخيل اسمه الجاحظ. قبل أن يسأل هل تعرفونه؟، يتحينان فرصة انشغال المعلم بالإجابة لينظرا إلى بعضٍ من جديد و تتحرك دواخلهما بعض الفيروسات المضرة بالقلب، الشياطين معهما في الصف اكتشفوا شيئا مريبا فخطوا على جدار المدرسة، فلان + فلتانة= الحب, هذا قبل أن تقوم الإدارة بطلائه باللون الأسود!.

سمع من إحدى صديقاتها أنها تحبه و كرد فعل أخبر صديقه أنه يحبها، و هكذا اتفق صديقه و صديقتها على أن يحددا موعدا للقائهما.

تحت سارية العلم المبتور نصفه جلسا.. في البداية ظهرت نقاط حمراء على وجنتيهما، لكنها سرعان ما زالت بعد أن تجاوزا مرحلة كيف الحال.بخير.. وأنت.. بخير.. تحدثا عن التربية المدنية و الصحراء الغربية ثم تطور الأمر إلى سب الأساتذة و شتم الإدارة ثم التنمشير في الأصدقاء و هكذا مرت أيام وليال.

اليوم يتذكران.. كان حب مراهقة!.

إحباط و سواد و عذاب ضمير

إحباط، شيء من السوداوية يلوِح لي بعدمية الوجود، يرن صوت عبد الله القصيمي في رأسي، ألم أقل لك؟.. كنت أختلق معه حوارا عن ذاتية الأشياء، عن العرب الفارغي الرؤوس و أصواتهم التي ترتفع بقدر ما ترتفع صواريخ الناسا في الفضاء. أجلس محدقا في الفراغ ببلاهة، يحاذيني و علامات السخرية بادية على وجهه..

كل شيء يبدو بلا طعم، تصر أمي على أن آكل الحلبة بعد أن تخلطها في كأس من الحليب، لكنني أشرب فنجان قهوة مُر.. نفسها المرارة التي أشعر بها بداخلي. حتى هي سوداء اللون أو هكذا تبدو لي بعد أن أتخيلها في رأسي. أحس أحيانا بالمرارة من خلال بطني، يبدو أمرا غريبا.. نفس الإحساس بالجوع لكن بشكل أثقل.

جارتي تلبس سروالا أزرق و كوفية لكن لا يبدو أنها تعني بذلك تعلقها بالقضية !، تمارس اغواءها الموحش كلما مرت من أمامي.. حتى الإغواء صار شاحبا. ليس لي في الحب، أريد بشدة أن أسمعها رأيي.. لكني واثق من أن سبورة المدرسة و كتاب القراءة معقدان إلى الحد الذي لن تفهم معه شيئا من كلامي.

أشعر بالحزن للكتب المكدسة على الرفوف، البعض منها مضى عليه عامان ولم أفتح منه صفحة واحدة، الحرب على الإسلام لآرتشي أوغستين يشعرني بعذاب الضمير. حتى أني لم أستطع اخفاءه.. موجود هناك يراقبني بعتاب في انتظار أن أكفر عن ذنبي و أتناول منه رشفات، أمير واسيني رميته بعد أن قرأت نصفه فقط، لم أندم على ذلك، بدا لي جافا.. لكني بيني و بين نفسي أخجل من الأمير عبد القادر. مذكرات عميد الأسرى اللبنانيين في سجون العدو الصهيوني تنتظر هي الأخرى أن أطلع عليها، أخجل من سمير القنطار كذلك، يأتيني صراخه من بعيد وهو يتألم في غرفة التحقيق، الضابط الاسرائيلي ذو اللكنة اللبنانية و الشعر الأصفر يحسسني بكم نحن العرب ضعفاء، هل يعقل أن يخالجني هذا الشعور من لا قدرتي على قراءة كتاب؟!.

… يا الله ذنوبي كثرت و أنت وحدك من بيدك الغفران. الخطايا تلتصق بي كما هي بقع الزيت التي تتعب أمي على الملابس البيضاء.

أن تنتظر عذاب، و أن تنتظر ما لا تعرفه عذاب أكبر.. أحاول فك شيفرة السواد الذي يتبدى أمام عيني بلا فائدة.. أستسلم للانحدار بلذة ثم سرعان ما أحاول تمالك نفسي لأهوي من جديد نحو فراغ رهيب.

الدّار

حيث قطرات المطر كانت تتتساقط بخجل على القرميد الأحمر الذي يشهد بعضه على على أحذية الفلاقة التي انمحى الطين الذي كانت تخلفه هناك و راءها و هي تنساب بحذر محاولة ألا تحدث ضجة.. وَقفْت، لم يكن وقوفي جامدا كمن يقف الطير على رأسه سوى محاولة تمعن في سر خفي يربطني بتلك الدّار.. هل كانت هي الروح التي أدركت وجودها هناك أول الأمر؟. يبقى أمرا لا يخضع لتفسير الطبيعة و إن كنت أحاول بجهد مضني إدراك معناه دوما.. الدار وحدها من تملك السر.

صعودا و نزولا ثم صعودا و نزولا ثم التواء حادٌ للطريق تنساب عليه حافلة النقل تتملكني تلك القشعريرة دوما من إلقاء التحية، رغم أنها ليست أول مرة لكنني ككل مرة أجدني عاجزا عن تقبل كونها كغيرها من المرات. إنه عنفوان اللقاء يعانقه عنفوان السر الكبير. منذ ما يزيد عن السنوات التي تشكلت ذكريات كثيرة برأسي لا زلت أحتفظ بتلك الصور الصلبة التي ما انمحت. تأتي من بعيد من اللامكان لتعبر عن وجودها دوما.. لتحرجني أو بالأحرى لتبقي السر قائما.

كانت أمي، أمي التي أُدركها في كل الصور جمالا وحنانا تُحبّبني إليها.. كل وقت يكون هو وقتها.. حيث تكتسي هالة من القداسة، لا أعرف أي لعبة كانت و أمي تلعبانها و ما إن كنت أنا المقصود بها، لكن التناسق البديع بينهما يجلعني أسلم الروح إليهما.. و لكأن أمي انحنت لتخاليها، يبقى هذا سر بيننا.. و من يدرك سر الإناث؟. هناك حيث بقيت معلقا، تميمة تبحث عن كاتبها لعلها تفك لغزا ما. هل في انسجامكما من جديد يعود السر يا أمي؟؟.

شرعية ثورية

ضحك داخلي ممزوج بحرقة و عبارة الشرعية الثورية تمر أمام عيني. صامتا كنت في وضعية من دقق الملل عنقه و أنا أستمع إلى المحاضرة، في هذه الأثناء التفت إلي صديقي الذي كان يمرر أصابعه على الآيفون ذلك المخلوق الغريب الذي لم يكن قد ولد أثناء الثورة قائلا.. لقد عبروا الأجواء!!.

خولتنا

نلبس مآزرنا التي يميل لونها إلى الاصفرار من شدة الذبول.. نخّبز بأيدينا الملطخة ب”جّال” على مجموعة الشعيرات المقوسة إلى السماء, نضع محافظنا التي لا يثقلها سوى كراسة المحاولات على ظهورنا ونخرج كالريح قاصدين الثانوية. قبل نصف ساعة من الدراسة نتكأ على الحائط الذي شوهته عبارات من مثل احبك.. جوتام يا دينك. عمر+سوسو= love . رِجل واحدة على الأرض و الأخرى على الجدار.. ننتظر في ترقب مرور خولة.

بين صديقتيها التين تشبه إحداهن جوكر في فيلم باتمان وأخرى المشعوذة التي تمتطي المكنسة في دراكولا تطل خولة وهي تنتشي بنظرات العشرات من المعجبين الذي يصطفون في تناسق بديع مطلقين الغمزات والقبلات المكوكية التي تحط على خدها الذي يلمع كالبلور. تراهم يسقطون صرعى عندما تبدأ رائحتها الشهية في الانتشار. من البعيد نطلق خزرة في الهواء.. وتبسبيسة ( بسسستتت) لكن خولة لا تلتفت, تمارس غرورها الشهي، تظطهدنا بكبريائها الموحش.. تمر محرقة كياننا ومن دون أن تلتفت. تصبينا بالصرع و بالإغماء و بالسكر. عينيها الجميلتين تجعلان الشاب خالد يصدح بصوته من احد الهواتف ( عينيك كي عينيا وعينيك شابين)… حتى الأساتذة يدللونها.. تترنح بينهم كأنها عصفورة. في حصة الرياضة كل منا يكشف عن صدره الممتلئ و ظهرنا مقوس كحامل النشاب، لكن أستاذ الرياضة سرعان ما يخطفها منا، يجلسها مقعده ويريحها الى جنبه. يصيح فينا، آلي ديقاج.. جُوي لوبالون .. نلقى واحد يدور هنا ننننـــ….. !! ينهرنا و سرعان ما يعود إلى خولتنا ..التي لا تبالي بنا.

شعب عاقْل

الدليل على أننا شعب عاقْل..

ليلا يستمنئ على صورتها.. ونهارا تمر من أمامه شبه عارية فلا يكاد يقوى على الحركة، وحدهما بؤبؤا عيناه من يزدادان اتساعا. يسكن مثلما تسكن الروح في الجسد حين الموت.

منفذ للحرية..

الورقة على الطاولة.. أمضى الليلتين الاخيرتين وهو يختار الكلمات بعناية تامة, أضجره أن يقوموا  كل مرة  بحذف نصف مايكتبه هذا إذا لم يحذفوا الكل. ليلتين كاملتين من الاستعانة بقاموس الكلمات اللطيفة و الهادئة. دخان السيجارة يرتفع في الهواء منجذبا نحو النافذة الوحيدة بالغرفة وكأنه يتوق للخروج بعيدا.. كل شيء يبحث عن منفذ للحرية.. قال في نفسه قبل ان يعيد التأمل في تلك الصفحة المليئة  بالكلمات المنمقة التي اختارها بعناية. متى يتوقف كل هذا.. سجن وسجان على الدوام؟.

في غمرة كل ذلك اشتهى ان يجد منفذا بسيطا من الحرية.. ولو ثقبا، تحسر وهو ينظر الى النافذة المفتوحة التي يرتفع باتجاهها دخان سيجارته.

Aside

أي حقد اسود يملأ القلوب، أي فكر همجي هذا الذي يعطي الحق بالظلم، بالغدر، بالقتل، بالدمار، بالوحشية السوداء التي تجتاح كل أرض خضراء.

من هذا الذي يعطي الحق لكل جبار، لكل طاغية في أن يمارس العدوان على من هم مثله في التكوين. بشر، من هم مثله في الشكل و اللون و العرق و الدين؟، من ذا الذي بيده الأمر بالبطش؟. أي إنسانية تلك التي تجتمع في قلب واحد مع الحقد؟ مع الطغيان و الظلم و الجبروت؟.

لطالما شككت في الوجود، في وجود الله، في وجود الحساب.. اشكر الطغاة الذين عرفوني بالله، وحده الظلم الذي يمارسونه يؤكد لي كم أن الله موجود، كم أن حسابه عسير، كم انه لا يظلم، كم انه العدل، العدل وحده في كماله.

الى أحرار سوريا، إنكم إن شاء الله منتصرون.

لوم

اليوم مررت بجنب المحطة، كان هنالك رجل ملقى على الأرض طريحا كأنه جثة هامدة.. كان مجنونا أو ربما متشردا. مررت عليه ولم يتحرك في داخلي شيء.. حتى عيناي لفظته كما تلفظ الصور الباهتة.. لمت انسانيتي.. لامتني انسانيتي!.